hollow (copy)

أن تهجر أو لا تهجر، معضلة الطبقة المبدعة

إننا نتناول معضلة، هي أخلاقية بالدرجة الأولي، تواجه فئة عمرية بحدها، هي فئة الشباب، وطبقة إجتماعية بعينها، هي الطبقة المبدعة أو الخلاّقة، وأوطان بخاصتها، هي التي بعد لم تبدأ دورتها الحضارية أو في بدايتها. ذلك أن هذه الفئة هي بين شطري رحي، إما المقام في وطنهم المتأخر ومجابهة تحدياته والنهوض به، أو القفز -الهروب، إن شئت أن تقول- من سفينة هذا الوطن الغارق بحثأ عن شاطئ وطن أكثر تقدماً وحضارة. إنني لست بصدد تناول من هم ليس يمكلون رفاهية هذه المعضلة ولا هم يملكون فرصة الاختيار بين المقام والهروب. ذلك أن هؤلاء، وهم حصراً جل الطبقة المتوسطة وما دونها في تلكم الأوطال المتأخرة، قد تركتهم الأقدار ما بين مهاجر طريد، أو مغترب يؤمّن مستقبل أفضل له ولم يعول، أو مقيم مقهور يلهث بين ضحاه وعشيّته لتوفير لقمة عيش لمن يرعي. إن هؤلاء نزلت بهم الفاقة وبلغت بهم أعباء الحياة ومطالبها حدا يستحيل معه بذل جهد ملموس للنهوض بأوطانهم العثرة. إنني لست بصدد تنصيب نفسي منظراّ أو قاضياّ يحكم علي هؤلاء، غير أنني أشفق عليهم من رحي الأقدار، التي ودت لو تطالني كما طالتهم

المبدعون ونهضة المجتمع

إن من أهم ما نبحث عنه في أي مجتمع يقدم علي النهوض هو وجود الطبقة الخلاقة بكتلتها الحرجة ونوعيها: قادة ومتخصصين. إن ما نقصده هنا بالقادة هم معظمهم، إن لم يكن حصراً، من الطبقة الارستقراطية. تجدهم علي شاكلة والوزراء والسياسيون وكبار الضباط و مدراءالشركات والمصانع وأصحاب رؤوس الأموال. وما نقصده هنا بالمتخصصين هم من في قمة الطبقة المتوسطة في المجتمع. هؤلاء من يعزي إليهم إيجاد حلول لجل المشاكل والتحديات التي يواجهها المجتمع علي صعيدي المتستقبل ، عاجلة وأجله. تجدهم علي شاكلة كبار المهنيين و المتخصيين ، كل في مجاله: التعليم والهندسة والمحاماة والطبابة … إلي أخره. يحاجج العالم ريتشارد فلوريدا -وهو من صاغ مصطلح الطبقة الخلاقة- أن نسبة عشرين بالمائة هي -في المتوسط- الكتلة الحرجة لنهضة المجتمع و شريطة استمرار تقدمه. إن الأمم المتقدمة تحوي مجتماعتها نسبة من الطبقة الخلاقة هي أكبر قليلا من الكتلة الحرجة (تقدر بنسبة 40% بحد أقصي). ذلك بالطبع علي غرار نظيراتها المتأخرة ، والتي يمكن أن تتدهور فيها هذه النسبة إلي زهاء 1%). إن إنعدام وجود هذه الطبقة ليس أمر من دروب الخيال، بل نجده واقعاً ملومساً في بعض الدول المتأخرة

كما أوضحنا ، إنه ليس بمبالغة إذا أقررنا بأن أحد أهم عوامل تقدم الأمم هو وجود مثل هذه الطبقة الخلاقة، ممثلة بكتلة حرجة حكد أدني. إن العولمة، بعد انتهاء عصر الاستعمار والحربين العالميتين، قد فرضت معادلة من عامل واحد، هو شريطة التقدم واستمراره، ألا وهو الريادة العلمية والتفوق التقني. إن العنصر البشري هو الفاعل الوحيد لتحقيق هذه الريادة، ليس يغني عنه ثروة طبيعية ولا مناخ معتدل ولا غيره. إن دول جوار قد حباها الله بثروة طبيعية -نعم ، أقصد هنا دول الخليج العربي النفطية- كفيلة بنهوض قارة بأكلمها،تم استثمارها في البني التحتية والسيارات الفارهة وناطحات السحاب -برج خليفة علي سبيل المثال. فما أردك هؤلاء لا ريادة علمية ولا نهضة حضارية. حتي أنك لا تجد لشعوبهم إرث فني أو ثقافي علي الصعيد الدولي. لم يدرك هؤلاء أن بناء الفرد هو العامل الوحيد في المعادلة. غير أن مثالا شديد التغاير هو دولة كوريا الجنوبية، حيث الاستثمار في العامل البشري علي مدي الأربعة عقود المنصرمة قد تمخض عنه كيان سامسونغ العملاق. ويا لها من مفارقة أن سامسونغ هي من شيدت برج خليفة

إذن، لو كنت ممن ولد ونشأ في محيط أسرة من الطبقة العاملة أو المتوسطة، وقد أتيحت لك فرصة تحصيل تعليم جامعي ، وصدقت القول مع نفسك، وودت أن تكون ممن يزيد علي دنياه بدلاّ من أن يكون زائدا عليها، لعزمت أن تصبح عضوا في حزب هؤلاء المبدعون أو الخلاقون. لم لا وقد عددنا فضل هذه الطبقة في النهوض بالمجتمع. ولكن المعضلة سيدي القارءئ لو أصبحت من هؤلاء في بلد قد بدأ توه مرحلة النهوض، أو بعد لم يبدأها

الهروب أم المواجهة، أحلاهما مر

تكمن المفاضلة هنا بين مغريات ما تقدمه لك الأوطان الأخري الناهضة، وما عليك أن تجابهه من تحديات بلدك -أنت وقرنائك من الطبقة الخلاقة. تحتم عليك هذه المعضلة أن تختار بين أمران أخلاهما مر. فأنت بين مطرقة المواجهة أو سندان الهجرة. إحقاقا للحق، أفضل هنا أن استخدم كلمة الهروب بدل الهجرة، فهي أدق في سياق المقال. إن لكل من ذلكما الخياران محاسنه ومساوؤه. لكن، يبقي السؤال كيف تكون المفاضلة وما هي آلياتها؟ نظرياً، تميل كفة الهجرة إلي أن ترجع. فكل الأسباب المنطقة تدعوك للتخلي عن وطنك الأم المتأخر والاتحاق بأخر في طور التقدم. إلا أن ما يقف حجر عثرة أما خيار الهجرة هو -إن كنت صادقا مع نفسك- شعورك بالانتماء لوطنك الأم ورغبة في رد الفضل للمجتمع. أقول إن كنت منصفأ لأنني علي علم ببعض ممن خذلنهم أفكارهم في التعرف علي صاحب الفضل -بالدرجة الأولي- في كونهم من أتراب هذه الطبقة الخلاقة. عزيزي القارئ، لو أنك من الخلاقين، ثق أنني لا أبخسك كفاحك طوال طريق تعليمك كي تصبح منهم. ولكن الجانب الأخر من الصورة -حتي تتضح- نجد فضل إنفاق المجتمع علي تنشئتك وتعليمك واضح بين لا ينكره إلا سفيه. وقد أشرنا إلي تفصيل هذه النقطة في مقال سابق

نؤكد مرة أخري علي أن شعورك بالانتماء نحو مجتمعك هو ما قد يحول بينك وبين الهجرة كخيار. ولكن، ما هو تأصيل هذا الانتماء؟ هل هو وازع ديني أم دافع أخلاقي أم عرف مجتمعي أم ماذا؟ أم أنه غير ذلك كله؟ أود أن أثير حفيظتك بسؤال آخر. إذا كنت ممن أنعم الله عليهم بالفضلين، أنك من أتراب الطبقة الخلاقة وأنك نشأت في وطن في أوج طوره الحضاري. لا حاجة لك إذا بهذه المفاضلة الصعبة، أليس كذلك؟ سؤالي لك هو: من قال لك حينئذ أن انتمائك لوطنك أصيل غير مشروط؟ أي أنه ليس نتيجة لحالة الرفاهية التي تحياها في وطنك المتحضر؟ وهل ما يلبث ذلك الانتماء إلا أن يتلاشي عندما ترتد الدوره الحضارية لوطنك ويصير إلي ضعف من بعد قوة؟

ما هو موضع الوطن في الإسلام؟

لقد جاء الاسلام ليحرر بني البشر من أي عبودية إلا عبادة الإله الواحد. وإن من أنواع تلكم العبوديات هي عبودية المال، العلم، الأهل، الإنسان أو حتي الوطن. ماذا لقت لتوي ،الوطن؟ كيف أجرؤ؟ نعم سيدي القاري ،أقول لك إن الإسلام جاء ليحرر الإنسان حتي من عبودية الوطن، إذ أن تعريف الوطن في الإسلام علي غير ما نعهده في عصرنا الحالي. فالرسول (ﷺ) ما أرسل لقرية أو لقبيلة أو لأمة بعينها، إنما أرسل للناس أجمعين. حتي بعد ممات الرسول (ﷺ) وانتهاء دعوته، الإسلام كفكرة ما بعث إلي لينشر بين ربوع الأرض من مشرقها إلي مغربها، وما أنزل إلي لمخاطبة كافة أعراق البشر

إن الذين يحاجون عن الانتماء إلي وطن بعينه أو دولة بكنهها، متعللين بدعوة الإسلام إلي ذلك ومستشهدين بحديث رسول الله (ﷺ) عن مكة المكرمة “أمَا والله لأخرج منك، وأني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلىَّ، وأكرمه على الله ، ولولا أن أهلك أخرجونى منكِ مَا خرجت”، أقول لهم صدق رسول الله (ﷺ) وأخطاتم. إن رسول الله (ﷺ) عندما أعرب عن حبه الشديد بمكة المكرمة في قوله، ما قالها لأنهاالأرض التي ولد فيه أو احتضنت أيام صباه وشبابه، ولكن قالها لمنزلة مكة في الإسلام. لم لا وهي مقام الكعبة المشرفة قبلة المسلمين في صلاتهم وحجهم. لم لا وهي مهد الرسالة النبوية وأرض الصحابة الكرام أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. إن ما يؤكد أيضا علي تأصيلنا الصحيح لحب الرسول(ﷺ) لمكة هو أن الرسول (ﷺ) كان قرأن يمشي علي الأرض ، ما كان يحب إلا لله ، وما كان يبغض إلا الله ، فحبه لمكه ليس حباً لوطن ولكن حباً لله. أقول لكم أيضا، لماذا لم يمكث الرسول (ﷺ) بمكة رغم الفتح؟ ولماذا دعا الله بأن يرزقه حب المدينة كحب مكة كما ثبت في الحديث الشريف: اللهم حبِّبْ إلينا المدينةَ كحُبِّنا مكةَ أو أشدَّ

هناك نقطة أخري أيضا. لعل قلة من أترابي يشاركونني قراءة ودراسة رواية “وا إسلاماه” في مرحلة التعليم الثانوي. أتذكر جيدا كيف أستهلت الرواية بالأية الكريمة ﷽ “قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ” 9-التوبة. إن ما أود أقوله هنا، مستشهدا بالأية الكريمة، أن الإسلام جاء ليعلي فضل حب الجهاد في سبيل الله والدعوة إلي الإسلام علي كثير مما نحب، مثل الأموال والأولاد والأهل وحتي الوطن. أنا لا أنكر عليك انتمائك لوطنك ولكن ما أنكره أن تنزل هذا الانتماء مكانة هو ليس بأهلها. أحاجج علي ذلك أيضا بأن قادة المسلمين في عصر الفتح، كيف أن احدهم انشغل بالدعوة والجهاد عن الدنيا وما فيها. كيف أن قائدا مثل طارق ابن زياد أفني زهاء العقدين من عمره -من سنة 76 إلي 95 هجرية- في فتوحات ما بين برقة شرقا (مدينة في شرق ليبيا حاليا) إلي الأندلس غرباً (ولاية غرب أسبانيا حاليا). لعلي أختم حجتي هذه وأذكر أقراني وإيياي بأن ما نعرفه من حدود أوطاننا في عالمنا العربي، هي في حقيقة الأمر ليست إلا حبراً علي ورق، خطها ذلك المحتل الأوروبي منذ عقد من الزمان أو أقل قليلاً -فضلاً راجع سقوط الامبراطورية العثمانية واتفاقية سايكس بيكو وتبعاتهم

الانتماء للوطن، مطلق أم مشروط؟

قد يفهم مما تقدم أنني أريد إلغاء مفهوم الوطن جملة وتفصيلا، بل وأنني بوقاحة أطلب منك عزيزي القارئ ان تتخلي علي انتمائك له. كلا، أنني قط ما قلت ذلك، وأرجو أن تتابع قراءة ما تأخر ليتضح لك مقصدي. إن ما أريد أن اؤكد عليه هو أن يصادق المسلم نفسه وينزل انتماء الوطن منزلته في سلم الأوليات، بعد الدين. ولكن هل هناك تعارض بين الدين وانتماء الوطن؟ في أغلب الظن، هما يسيران يدا بيد. إلا إذا آثرت حب وطنك علي ما أمرك به دينك. إن الله عندما يحاسبك عما فعلت في دنياك لن يحاسبك أولا هل انتصرت لوطنك أم لا؟ هل انتصرت لأهلك وعشيرتك أم لا. ستحاسب أولا علي نفسك ثم من ترعي: أبويك وزوجتك وأبناءك، ثم أخوتك وأقاربك إن استطعت. أو كما بين الرسول(ﷺ) في الحديث: “كلكم راع وكلهم مسؤول عن رعيته”. إنما مدلول ما سبق هو أن الأرض جميعها قبلة المسلم وبغيته، إينما يدعو إلي الله في بقة من الأرض فهي وطنه، طالما أمن علي نفسه وأهله ودينه. فإن انت أمنت علي ما سبق في وطنك، فهنئياً لك مقامك في وطنك، وإلا، فأرض الله واسعة

لكن علي الجابب الأخر تظل المعضلة قائمة. كونك فرد من أبناء الطبقة المبدعة يعني ضمنيا أنك ملزم اجتماعيا تجاه وطنك. أنت بمثابة راع لهم. ولم لا وقد انتخبك هذا الوطن، أنت دوناً عن كثير من قرناءك، لتحصل التعليم الجامعي تحصيلا، فيملا عقلا عقلك نورا وقلبك رحمة، وتعود به بالنفع علي وطنك وعليك. فهكذا تدار المجتمعات، ينتخب ضعفاء القوم أقوياءه فينجوا وينجوا جميعاً

إذا فكيف نفاضل بين تلكما الخياران؟ في رأيي المتواضع وبكل بساطة، إن نصرة الإسلام وأهله هو ما يجب أن توجه صوبك نحوه. إن الالتفات للانتماء للوطن واهله هو هدف ثانوي، والأولي هو الانتماء للإسلام وأمته

الوطن أحد عومل النهضة، ولا ريب

في كتابه “مشكلة الأفكار في العالم الاسلامي”، يتعرض مالك بن نبي لمشكلة تأخر قيام الحضارة في العالم الاسلامي. ويقر بأن لقام الحضارة ثلاثة مكونات لا رابع لها: الانسان والأفكار والمادة. بخلاصة شديدة، إن صح فكر الانسان، فإنه يعمله في تشكيل المادة ليشيد بها الحضارة. رغم أن الانسان، كأحد مكونات الحضارة، هو بلا خلاف العنصر الفاعل الحقيقي، إلا أننا لا نقلل من أهمية وجود عنصر المادة لقيام الحضارة. إن من ضمن معاني المادة هو الوطن، فلا وجود لإنسان ولا حضارة بدون أرض -أي وطن- يقيم عليها تلك الحضارة. ذلك الفهم يضيف لنا بعداً أخراً لمفهوم الوطن في الاسلام، هو أن الوطن كل أرض صلحت لأن يقيم عليها المسلم الحضارة وينشر فيها الدعوة

أهمية الوطن العربي للإسلام

يخطي من يظن أن بعث الأمة المسلمة قد يأتي علي يد بعض المستنيرين من مسلمي المجتمع الغربي -أقصد هنا حصراً دول غرب أوروبا وشمال أمريكا. إذ أن هؤلاء المسلمين الغربيين هم أقلية في مجتمعاتهم، وما أفكارهم وجهدهم إلا وريقات يعصفن بهن ريح من الأفكار المغايرة، أي أن هم وأفكارهم وجهدهم قلة وسط كثرة. وكما قيل في أدبنا العربي: ما غلبت الشجاعة غير الكثرة. لا يستطيع هؤلاء التأثير مجتمعاتهم فضلا عن إحداث تغيير لبلاد الأكثرية المسلمة

قد يعترض البعض ويقول ما شأن هؤلاء المستنيرين ومجتمعاتهم الغربية؟ إننا في عصر تسافر فيه الأفكار والأراء علي خيوط من ألياف الكربون أسرع من أن يرتد إليك طرف عينك. أقول، يخطي من يعتقد أن نجاح الفرد في المجتمع ينبثق حصرا من جهده الفردي، بدون الأخذ في الحسبان الاستعداد الثقافي أو المستوي العلمي لذلك المجتمع. يحاجج مالك ابن نبي بأن الفرد هو لبنة في بنية المجتمع، وما كان للمستنير -أو حتي بضعة منهم- أن يعمل علي تغيير المجتمع بمفرده. إذ أن المستنير يستعين بالمجتمع، بطبقات من عمال ومثقفين، ومؤسساته من صحة وتعليم وأمن وصناعة وإعلام، حتي يتسني له إحداث تغيير ملموس في ذلك المجتمع. إن رسول الله (ﷺ)، وهو أفضل ما يطمح إليه بني البشر من نموذج في تغيير المجتمعات، ما كتب له الهداية والتوفيق إلا بالوحي المنزل والرسالة الربانية، ثم بفضل الصحابة الأولين -رضوان الله عليهم أجمعين. إن أقصي ما يربو إليه المستنير لن يعدو معشار ما حققه النبي -صلي الله عليه وسلم- وهو الموحي إليه المنزه عن الخطأ

إنني أحاجج بأنه لا تبعث الأمة الإسلامية إلا من الداخل، أي علي يد وطن أكثرية مسلمة. لم يتبقي لنا إذا غير أوطان المسلمين الناطقة باللغة العربية وغيرها الناطقة بأخري. إن اللغة العربية هي حجر الزاوية لبعث أمة الإسلام. ذلك أنها لغة القرأن والسنة، اللذان هما مشكاة هذا الدين وضياءه، بهما يهتدي بين ظلمات التاريخ وتقلباته. إن بعث هذه الأمة لن يتأتي قبل قيام نهضة فكرية تنزع ثوب الأفكار البالية عن فهم القرأن والسنة وتقدم لنا فهما جديداً يتواكب مع متطلبات العصر وتحدياته. وعليه، أقول إن أي أمة مسلمة لا تتحدث العربية هي غير مرجحة لأن تقود بعث هذه أمة الاسلام

خاتمة

تناولنا معضلة يتعرض لها أبناء الطبقة الخلاقة، تتمثل في المفاضلة بين المقام والهجرة. علي استحياء، قدمنا محاولة لتأصيل دوافع المقام. وحاولنا تصحيح الفهم المغلوط بأن الانتماء للوطن هو أحد الدوافع الأصيلة للمقام، إلا أننا أوضحنا أولوية هذ الانتماء في الاسلام، بل و عددنا أهمية الوطن كأحد مكونات قيام الحضارة الاسلامية. آخراً، حاججنا لماذا الأوطان العربية بكنهها هي الأصلح لبعث أمة الاسلام. ولكني بعد لم أجيب علي السؤال المطروح، يا عزيزي القاري هل تقيم أم تهاجر؟…..يتبع

Advertisements

lebanese-diaspora

الجيل المشرزم

إلي أقراني من أبناء هذا الجيل ، إلي من أتيحت لكم فرصة التعليم الجامعي. أحري أن يطلق علينا ليس جيل الألفية ولكن الجيل المشرزم -علي غرار جيل أوروبا الضائع إبان الحرب العالمية الأولي.
ذلك أن بعض من أبناء هذا الجيل التعس قد قرر الهروب من بلاده ، قرر ببساطة مع أول صفعة ابتلاء أن يقفز من السفينة ليتركها تغرق ومن تحمله من الهرمين والضعفاء والفقراء والجهلاء والمغلوبين علي أمرهم ، ففقد هذا الجيل الهوية والهدف ، فقد المعني في الحياة والقيمة منها. جيل هيعيش زي اللي عاشوا وهيموت زي اللي ماتوا ، بلا أي إنجاز يذكر ، ولا أي تاريخ يعرف.

تري أبناء هذا الجيل المنهزم حضارياً يتلفحون بعباءة كل ما هو أجنبي (سلوك ،ثقافة ،لغة) ولا يفرقون فيما يتلقون بين الغث والثمين. تتلمس أخبارهم في ما أحلوا به من بلاد ، لا شوكة لهم ولا قوة لهم ، كحبات عقد انفرطت ففقدت نظامها وصلابتها. تراهم يطفوفون الأوروبا والأمريكا ذهابا وإيابا فرحين بمتاعها الزائل ، كأنما ورثوها عن أبائهم وأجدادهم. يتشدق هؤلاء المغبونون بامتيازات الغرب ودعه الحياة فيه ، وقد غفل أكثرهم عن الحكمة القائلة: ليس الرجل من قال هذا أبي ، ولكن الرجل من قال ها أنا ذا. لم يدرك هؤلاء المغبونون أنهم ليسوا إلا طفيليات علي هذه الحضارة ، لم يبذلوا في تشييهدها جهدا ، ولم ينفقوا في بناءها درهما.

يتوهم هؤلاء البؤساء أنهم من أصحاب الامتيازات ، ويخطئ حين يظنون “إنما أوتيته علي علم عندي” ، غير مدركين أنها رحاية الأقدار ، ودت أن تطالهم بالابتلاء كما طالت غيرههم من أبناء وطنهم ، إلا أن لعبة الأقدار هذه هي من أهدت إليهم تلك الفرصة دوناً عن غيرهم. منهم من سافر إلي الشرق ومنهم من هاجر إلي الغرب ، كلاهما في قلة الحيلة وكثرة اللهو سواء ، يبني ويشيد ويعمر للغريب ، تاركا القريب في خراب من دونه خراب.

قد غفل هؤلاء المغبونون أن ما هم فيه من نعمة إنما يرجع فضله – بعد الله سبحانه وتعالي – إلي العلم ، لم يكن ليتحصلوه لولا تحمل وطنهم كلفته. اين منك ومن فضل هؤلاء عليك ؛ الفلاح يطعمك والعامل يلبسك والمعلم يربيك ويقومك. هؤلاء المسحوقون قاموا بانتخابك أنت أيها الجامعي الألمعي النابهة لتحصل العلم تحصيلا ، ليس لحسبك ونسبك ، ولكن لتعود به بالنفع علي وطنك. هكذا تدار المجتمعات ، ينتخب ضعغاء القوم أقوياءه ليأخذوا بأيديهم ، فينجوا وينجوا جميعاً. أقول إن مثلك كمثل الرضيع يرتوي من لبن امه ، حتي إذا اشتد عوده لفظها.

قلبي حسرة وأنا أقول إنني أول هؤلاء الباءسيون التعسون المغبونون ، الراحلون عن أوطانهم وفاقدوا الوجهة والهوية. أصدقكم القول أنني ليس بي من الشجاعة ولا الإيمان بمكان أن أعود إلي وطني وأجابه صعابه ، فها أنا ذا اعيش زي اللي عاشوا وهموت زي اللي ماتوا!