lebanese-diaspora

الجيل المشرزم

إلي أقراني من أبناء هذا الجيل ، إلي من أتيحت لكم فرصة التعليم الجامعي. أحري أن يطلق علينا ليس جيل الألفية ولكن الجيل المشرزم -علي غرار جيل أوروبا الضائع إبان الحرب العالمية الأولي.
ذلك أن بعض من أبناء هذا الجيل التعس قد قرر الهروب من بلاده ، قرر ببساطة مع أول صفعة ابتلاء أن يقفز من السفينة ليتركها تغرق ومن تحمله من الهرمين والضعفاء والفقراء والجهلاء والمغلوبين علي أمرهم ، ففقد هذا الجيل الهوية والهدف ، فقد المعني في الحياة والقيمة منها. جيل هيعيش زي اللي عاشوا وهيموت زي اللي ماتوا ، بلا أي إنجاز يذكر ، ولا أي تاريخ يعرف.

تري أبناء هذا الجيل المنهزم حضارياً يتلفحون بعباءة كل ما هو أجنبي (سلوك ،ثقافة ،لغة) ولا يفرقون فيما يتلقون بين الغث والثمين. تتلمس أخبارهم في ما أحلوا به من بلاد ، لا شوكة لهم ولا قوة لهم ، كحبات عقد انفرطت ففقدت نظامها وصلابتها. تراهم يطفوفون الأوروبا والأمريكا ذهابا وإيابا فرحين بمتاعها الزائل ، كأنما ورثوها عن أبائهم وأجدادهم. يتشدق هؤلاء المغبونون بامتيازات الغرب ودعه الحياة فيه ، وقد غفل أكثرهم عن الحكمة القائلة: ليس الرجل من قال هذا أبي ، ولكن الرجل من قال ها أنا ذا. لم يدرك هؤلاء المغبونون أنهم ليسوا إلا طفيليات علي هذه الحضارة ، لم يبذلوا في تشييهدها جهدا ، ولم ينفقوا في بناءها درهما.

يتوهم هؤلاء البؤساء أنهم من أصحاب الامتيازات ، ويخطئ حين يظنون “إنما أوتيته علي علم عندي” ، غير مدركين أنها رحاية الأقدار ، ودت أن تطالهم بالابتلاء كما طالت غيرههم من أبناء وطنهم ، إلا أن لعبة الأقدار هذه هي من أهدت إليهم تلك الفرصة دوناً عن غيرهم. منهم من سافر إلي الشرق ومنهم من هاجر إلي الغرب ، كلاهما في قلة الحيلة وكثرة اللهو سواء ، يبني ويشيد ويعمر للغريب ، تاركا القريب في خراب من دونه خراب.

قد غفل هؤلاء المغبونون أن ما هم فيه من نعمة إنما يرجع فضله – بعد الله سبحانه وتعالي – إلي العلم ، لم يكن ليتحصلوه لولا تحمل وطنهم كلفته. اين منك ومن فضل هؤلاء عليك ؛ الفلاح يطعمك والعامل يلبسك والمعلم يربيك ويقومك. هؤلاء المسحوقون قاموا بانتخابك أنت أيها الجامعي الألمعي النابهة لتحصل العلم تحصيلا ، ليس لحسبك ونسبك ، ولكن لتعود به بالنفع علي وطنك. هكذا تدار المجتمعات ، ينتخب ضعغاء القوم أقوياءه ليأخذوا بأيديهم ، فينجوا وينجوا جميعاً. أقول إن مثلك كمثل الرضيع يرتوي من لبن امه ، حتي إذا اشتد عوده لفظها.

قلبي حسرة وأنا أقول إنني أول هؤلاء الباءسيون التعسون المغبونون ، الراحلون عن أوطانهم وفاقدوا الوجهة والهوية. أصدقكم القول أنني ليس بي من الشجاعة ولا الإيمان بمكان أن أعود إلي وطني وأجابه صعابه ، فها أنا ذا اعيش زي اللي عاشوا وهموت زي اللي ماتوا!

Advertisements

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s